السيد كمال الحيدري
62
فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)
مفترق طرق ، والسبب في ذلك أنّ الملائكة لم تركِّب من عقل وشهوة كما هو الحال في الإنسان ، وإنّما ركّبت من عقل بلا شهوة ، كما أنّ الحيوان كذلك غير واقف على مفترق طريقين ؛ لأنّه ركِّب من شهوة بلا عقل . ففي الرواية عن عبد الله بن سنان قال : « سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فقلت : الملائكة أفضل أم بنو آدم ؟ فقال : قال أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب عليه السلام : إنّ الله عزّ وجلّ ركّب في الملائكة عقلًا بلا شهوة ، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل ، وركّب في بني آدم كليهما ، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ، ومن غلبت شهوته عقله فهو شرّ من البهائم » « 1 » . إذاً : الخصوصية الثانية في الإنسان أنّه على مفترق طرق لتركُّبه من عقل وشهوة . وعلى هذا الأساس ، يمكنه أن يتسامى ويصعد إلى الله تعالى ويصل إلى مقام قاب قوسين أو أدنى ؛ ذلك المقام الذي قال فيه جبرائيل للنبي صلّى الله عليه وآله : « لو دنوتُ أنمله لاحترقت » « 2 » . وفى المقابل ، فإنّ هذا الإنسان يمكنه أن يتسافل ويتسافل ويبتعد عن الله تعالى ، كما في الآية المباركة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِى الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ) « 3 » .
--> ( 1 ) علل الشرائع ، مصدر سابق : ج 1 ص 5 4 . ( 2 ) مناقب آل أبي طالب ، ابن شهرآشوب المازندراني ( ت : 588 ه ) ، المطبعة الحيدرية ، النجف الأشرف ، 1376 ه : ج 1 ص 155 . ( 3 ) التوبة : 38 .